مدينة دير البلح، قطاع غزّة – تتحرّج المرأة في المجتمع الفلسطينيّ من عرض مشاكلها على رجال الإصلاح الذين يطلق عليهم "المخاتير"، لكنّ الأمر أصبح أكثر يسراً بعدما وهب عدد من السيّدات خبراتهنّ في الإصلاح الاجتماعيّ، ليكنّ أولى المخاتير من النساء المدافعات عن حقوق المرأة في المجالس العشائريّة التي يرأسها الرجال، والتي يتجه إليها الغزيين لحل مشاكلهم العائلية بدلاً من تعقيدات القضاء الطويلة….
وقد برزت في قطاع غزّة في السنتين الأخيرتين، المختارات أو المصلحات الاجتماعيّات، فمنهنّ من ورثن مهنة المخترة أو الإصلاح الاجتماعيّ عن آبائهنّ وأجدادهنّ، ومنهنّ من امتلكن الحكمة والحنكة بالفطرة، ليكنّ جميعاً بعد التدريب، جزءاً من لجان الإصلاح الاجتماعيّة التي يلجأ إليها السكّان في غزّة، بدلاً من القضاء أو الشرطة.

ويذكر مدير مشروع "مساعدة النساء في قضايا السكن والملكية"، الذي قام بتدريب المختارات من مختلف مناطق القطاع في المركز الفلسطينيّ للديمقراطيّة وحلّ النزاعات في غزّة المحامي عبد المنعم الطهراوي لـ"اـلمونيتور"، أنّ "المركز قام بعقد درورات تدريبيبة قانونية للمختارات نتيجة الحاجة إلى تدخلهن بشكل ودّي في البداية، في حل كثير من قضايا المرأة الخاصّة بالسكن، والميراث، والعنف الاقتصاديّ أو الجسديّ الذي تتعرّض له النساء في غزّة، قبل التوجه إلى القانون".
وأضاف الطهراوي: "أقمنا داخل المركز لجنة اجتماعيّة خاصّة بالمختارات تلجأ إليها النساء لحلّ المشاكل المختلفة. وتلجأ المختارات إلى الاستعانة بمحاميّات المركز لرفع القضايا الشائكة أمام القضاء، مقابل تكاليف بسيطة وأحياناً مجّاناً، لعدم قدرة أغلب النساء على رفع مثل تلك القضايا".
تتحدّث فاتن حرب، 41 عاماً، وهي إحدى أشهر المختارات لحلّ المشاكل المتعلّقة بالمرأة في المنطقة الوسطى من قطاع غزّة، لـ"المونيتور" عن تجربتها قائلة: "شاركت وعدد من النساء في دورات مكثّفة مع مؤسّسات حقوقيّة متخصّصة في حقوق المرأة، لتطوير معرفتنا في مجالات القانون والشريعة والإصلاح الاجتماعيّ، ثم انضممنا إلى مهمّة الإصلاح الاجتماعيّ".
وتقول المختارة حرب إنّ "الحاجة إلى مصلحات اجتماعيّات فاعلات أصبح ضرورة للمجتمع الفلسطينيّ في غزّة، بسبب ارتفاع مشاكل النساء، خصوصاً بعد الحرب الإسرائيليّة الأخيرة، حيث ارتفع عدد الأرامل بعد الحرب ، وارتفعت نسبة الطلاق، والمشاكل الزوجيّة نتيجة الأوضاع الاقتصاديّة الصعبة، والخلاف على حضانة الأطفال".
وتبيّن حرب أنّ "النساء المعنّفات والمهمّشات أصبحن الآن يمتلكن القدرة على البوح بتفاصيل مشاكلهنّ كافّة، إلى النساء المختارات، ممّا أدّى إلى إيصال حقوقهنّ، خلافاً لما كان سابقاً، حين كان الإنصاف يميل أكثر إلى الرجل الذي لديه القدرة الأكبر على الحديث مع لجان الإصلاح وإقناعهم بوجهة نظره".
وفي المجتمع الفلسطينيّ، غالباً ما يفضّل ألّا تتحدّث المرأة بلسان حالها عن مشاكلها أمام الشرطة أو الوجهاء والمخاتير، بل يتعيّن على رجل أن يتحدّث باسمها. فالسيّدة ريما،41 عاماً، وهي إحدى السيّدات اللواتي توجّهن إلى المختارات، توجّهت لإيجاد حلّ لابنتها التي يرفض زوجها (زوج ابنتها) أن ينفق عليها أو أن يطلّقها. وتقول لمراسلة "المونيتور": "توجّهت إلى أحد وجهاء لجنة تابعة لحركة الجهاد الإسلاميّ لحلّ مشكلتي، وعلى الرغم من أنّه اقتنع بكلامي، إلّا أنّه قال لي: "اذهبي وأرسلي لي ابنك أو زوجك أو أخيك حتّى يتكلّم أمام بقيّة الوجهاء الرجال عن مشكلتك، فأنت في النهاية إمرأة".
وتابعت ريما: "وقال لي أنّ أحداً لن يشرح لبقيّة الوجهاء مشكلتي مثلما تحدّثت أنا عنها، لكنّه قال إنّه لا بدّ من وجود رجل، وزوجي مريض وابني صغير في السنّ لا يملك تفاصيل المشكلة، لذلك توجّهت إلى المختارات".
كما أنّ هناك العديد من القضايا التي تتحرّج النساء من ذكرها للقضاء أو الشرطة، مثل مشكلة مريم، وهو اسم مستعار، 27 عاماً، التي تعاني من اعتداء زوجها الجنسيّ، فلم تستطع اللجوء إلى القانون ضدّ زوجها، فكانت المختارات الملجأ الوحيد لها لتساعدنها للتخلّص من مشكلتها.
كما وتبيّن المختارة فاتن أنّه "من أصعب القضايا القانونيّة التي تواجهها النساء في قطاع غزّة قضيّة الحصول على الميراث، لذلك تعمل المراكز الفلسطينيّة المعنيّة بحقوق المرأة على تدريب المختارات على قضايا الميراث من منظور قانونيّ". وتشرح حرب: "إنّ المجتمع الذكوريّ يرفض إعطاء المرأة نصيبها من الميراث، على الرغم من أنّ الشريعة الإسلاميّة كفلت لها الحقّ في ذلك، وأحياناً يتمتّع الإخوة الذكور بالميراث، بينما أخواتهم فقيرات ومحرومات منه، وهنا نتدخّل لإنصافها".
وقد شكّلت المختارات حلقة الوصل بين النساء اللواتي يتقدّمن بشكاوى للشرطة، وجهاز الشرطة، فتذكر مختارة مدينة غزّة أمّ ماجد حسّونة، 51 عاماً، لـ"المونيتور" أنّ "مدير عامّ الشرطة كلّفها بحلّ القضايا التي تقدّم إلى جهاز الشرطة، والتي تكون مبنيّة على خلافات زوجيّة أو عائليّة بسيطة"، وتشير إلى أنّ "بعض القضايا التي تواجه المختارات، وتكون ذات بعد خلافيّ وقانونيّ كبير، يحوّل إلى محاميّات مركز حلّ النزاعات الذي يحتضن وجودهنّ".
وقد واجهت المختارات صعوبات في ميدان العمل، كما أفاد معظمهنّ لـ"المونيتور"، نتيجة عدم تقبّل بعض المخاتير وجود نساء تنافسنهم أو تشاركنهم في العمل.
أمّا بالنسبة إلى فاتن، فتمثّلت أكثر الصعوبات في بداية مشوارها، فهي حملت من اسمها الجمال، وكانت محطّ أنظار الجميع، وتقول: "لم أشعر بأنّ جمالي سيكون عائقاً يوماً ما في حياتي، كما أنّ نظرة المجتمع نابعة من السلطة الذكوريّة التي تعوّدت أن ترى المرأة ضعيفة، لا تعرف حقوقها، فهي لا تريدها قويّة، وترفض المرأة القويّة".
وبحسب وزارة الحكم المحلّي، يبلغ عدد مخاتير العائلات الرجال في القطاع، حوالى 777 مختاراً متخصّصين في مجال الإصلاح، أو تقديم التسهيلات لمساعدة الجهّات الحكوميّة في تنفيذ أعمالها، بينما يبلغ عدد المختارات 80 مختارة، قام المركز الفلسطينيّ للديموقراطيّة وحلّ النزاعات بتدريبهنّ منذ عام 2010.
وترى فاتن أنّ قيم المجتمع الشرقيّ، تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلاميّة، قائلة: "الدين الإسلامي دين سمح ومرن، ورسولنا الكريم سمح لزوجاته بالعمل التجاريّ كخديجة، وكذلك كان يشاورهنّ في أموره مثل زوجته أمّ سلمة، والتاريخ شاهد على ذلك، لكنّ مجتمعنا بعيد عن الدين، وينظر إلينا بدونيّة، ويرفض وجودنا في المراكز القياديّة".
وعلى الرغم من الخطوة الكبيرة للنساء في مجال الإصلاح الاجتماعيّ في غزّة، إلّا أنّهنّ يفتقرن إلى الدعم الحكوميّ والتشريعيّ الذي ينبغي أن يشكّل لهنّ مؤسّسة خاصّة بهنّ، تلجأ إليها النساء اللواتي يتعرّضن إلى العنف، كلّما دعت الحاجة.