TLAXCALA تلاكسكالا Τλαξκάλα Тлакскала la red internacional de traductores por la diversidad lingüística le réseau international des traducteurs pour la diversité linguistique the international network of translators for linguistic diversity الشبكة العالمية للمترجمين من اجل التنويع اللغوي das internationale Übersetzernetzwerk für sprachliche Vielfalt a rede internacional de tradutores pela diversidade linguística la rete internazionale di traduttori per la diversità linguistica la xarxa internacional dels traductors per a la diversitat lingüística översättarnas internationella nätverk för språklig mångfald شبکه بین المللی مترجمین خواهان حفظ تنوع گویش το διεθνής δίκτυο των μεταφραστών για τη γλωσσική ποικιλία международная сеть переводчиков языкового разнообразия Aẓeḍḍa n yemsuqqlen i lmend n uṭṭuqqet n yilsawen dilsel çeşitlilik için uluslararası çevirmen ağı

 16/01/2021 Tlaxcala, the international network of translators for linguistic diversity Tlaxcala's Manifesto  
English  
 EDITORIALS & OP-EDS 
EDITORIALS & OP-EDS / جيلبرت نقاش، ثوري تونسي (1939-2020): هذه الثورة التونسية هي الثورة الوحيدة في العالم التي قتل فيها الأب
Date of publication at Tlaxcala: 26/12/2020
Original: “Cette révolution est la seule au monde dans laquelle on a tué le père” : Gilbert Naccache, révolutionnaire tunisien (1939-2020)
Translations available: English  Español  Deutsch 

لا أتنكّر لأيّ شي إطلاقا من مسار رحلتي
جيلبرت نقاش، ثوري تونسي (1939-2020): هذه الثورة التونسية هي الثورة الوحيدة في العالم التي قتل فيها الأب

Fausto Giudice Фаусто Джудиче فاوستو جيوديشي

Translated by  Mokhtar Ben Hafsa مختار بن حفصة

 

 توفي جيلبار نقاش يوم 26 ديسمبر 2020 في باريس عن عمر الواحدة و الثمانين. تكريما لروحه ننشر مقابلة صحفية قمنا بها معه في أفريل 2011

فاوستو جيوديتشي : اليوم 30 أفريل 2011، نحن الآن في تونس ليلة 1 مــاي. هذا الحوار هو ثمرة أوّل تعاون بين ثورة تي في، وهو تلفزيون ثوري على الواب بصدد التأسيس والشبكة الدولية للمترجمين وتمرّد، موقع اليسار الإسباني على الأنترنت وراديو موجات باريس التعددية الذي يبث في منطقة باريس. إذا عقدنا العزم على محاورة جيلبرت فهل لأنّ هذا يروق لك أم لا..

جيلبرت نقاش : أنا جميل...

فاوستو جيوديتشي : أنت جميل ولكنّ ، بالخصوص، أنت أقدم المناضلين الثوريين التونسيين الذين مازلوا على قيد الحياة بما أنّك ولدت سنة 1939. فقد بدأت كمناضل في الحزب الشيوعي التونسي في سنوات الخمسينات ثمّ تجربة غير ناجحة جدا حسب مذكراتك مع التروتسكية والأممية الرابعة لتحطّ الرحال في مجموعة آفاق التونسية وايداعك سجن برج الرومي سنة 1968حيث قضيت عشرية كاملة في دهاليز سجون بورقيبة، المجاهد الأكبر.

جيلبرت نقاش : أودّ في البداية أن أحييّ هذا التعاون بين هذه الهيئات الصحفية واعتقد أنّ هذا التضامن الذي تعبّر عنه أمر رائع وحجة جديدة على انفتاح الثورة التونسية على الخارح. هذه الثورة ليست حركة وطنية تقليدية متمسكة بالتقاليد ومحافظة، بل هي حركة واقعة في عالم اليوم واستخدمت كل وسائل الاتصال الحديثة وهي أيضا استنادا إلى ذلك لا يمكنها أن تقبل قيم الماضي. وهذا بالنسبة إليّ حدث جديد رائع.

أمّا فيما يخص مسيرتي فلست نادما إطلاقا عليها أي فيما يخصني لقد كانت كلّ الرحلة ناجحة جدا. فلقد انتقلت من حركة إلى اخرى ومن قناعة إلى مجموعة أخرى من القناعات ثمّ إلى جملة من الشكوك المعقولة وكان مستقرّ الرحلة على ما أرى فكرا نقديا تكوّن من خلال أفضل ما كان من فكر نقدي مارسته في المراحل السابقة. لابدّ لي من القول إنّ المرور عبر العالم التقليدي الشيوعي والتروتسكي كان مرور تكوين نظري وأنّ تجربتي في صلب حركة آفاق كانت انغماسا في العمل وفي التنسيق بين النظرية والممارسة العملية للشباب ولهذا يمكن أن يكون ذلك هو السبب الذي يجعلني اليوم قادرا على أن أكون في في الثورة لا في صف مَن يقدّمون الدروس لأنّي عشت تجربة الشباب الثائر وشاركت معه في ثورته رغم أنّي لم أكن شابا    يافعا في ذلك العصر.

إنّ مسيرتي، جعلتني ملتصقا بالثورة... غريزيا ولا بدّ لي أن اقول إنّه إذا كان بإمكاني أن أقدّم شيئا للثورة فهي قد قدّمت لي أكثر ممّا يمكنني تقديمه لها. وعليه لا يمكنني أن أرفض أيّ شيء بما في ذلك انجاز حوارات تجيب على أسئلة محاورين يوضع ذكاؤهم موضع تساؤل.

فاوستو جيوديتشي  : آه، ههههه ! إنّه لطيف!!! حقّا إنّه لطيف، يشتم رفاقا يحاورونه !!! منذ عودتي إلى تونس لأوّل مرّة منذ استلام ابن علي الحكم سنة 1987 التقيت من جديد بكل الرفاق الشيوخ من آفاق وبعد ذلك التقيت مع الشباب وما لاحظته بمعية الرفاق أنّ مجموعة آفاق لم تعرف في النهاية أبدا التطوّر الذي آلت إليه المجموعات الشبيهة في أوروبا، فالمجموعات اليسارية هناك التي     كان أغلب مناضلوها معروفين، كانوا قد خانوا منذ عهد بعيد المثل العليا لشبابهم ليصبحوا "شخصا كبيرا" كما يقال في إفريقيا، أصبحوا وزراء ومدافعين عن حلف شمال الأطلسي والعسكرة ونيوليبراليين الخ. وألاحظ أنّ المناضلين التاريخيين لحركة آفاق لم نجد منهم عمليا مَن خان مبادئه ما عدا استثناءات قليلة. كما توجد ميزة أخرى أثارت مشاعري وهي أنّه لديّ انطباع أنّ جيلكم قد انتقل إلى جيل مَن هم اليوم في سنّ 20-25 الذين يمثّلون القوّة الرئيسية من قوى الثورة، مرورا بمن هم في منتصف العمر. ما رأيك في هذا التقدير؟ هل هو صحيح؟

جيلبرت  نقاش: لا أدري. فيما يخص الخيانة لا بد لي من القول نعم. كنت قد قلت ذلك في مناسبات عديدة. ما كان رائعا في حركة آفاق هو أنّ قوّة الدفع التي كانت تلهمنا وتدفعنا كانت حقيقية وجدية. لا أحد منّا كان يحسب حسابا خاصا ولا يمكنني عدم التفكير في ميشال فوكو حينما سئل عن ماي 1968 وأجاب : " أنا حضرت مارس 1968 بتونس ولا يمكنني الهذيان قبل ماي 1968، قبل ثورة الأبناء على آبائهم حين رأيت شبابا ذاهبا إلى المذبحة لم يكن إصرارهم ضدّ آبائهم ولا للإعلان عن ذواتهم ولكن كان يلهمهم مبدأ حقيقي مستعدين للموت من أجله". إذن، بالفعل فلقد كان جيلنا جيلا متحمّس،ا كان جيلا يريد المساهمة في بناء تونس ولكنّ بورقيبة منعه من ذلك. لم نكن في تلك الفترة نفهم طبيعة نظام بورقيبة ولم نكن نفهم ديناميكية نظام الحزب الواحد ومن المؤكّد أنّنا أخطأنا كثيرا لكن هناك أشياء كنّا نُجمع عليها دائما وهي أن الحريّة لا تتجزّأ ويُتفاوض عليها. إذن كان البعض منّا قد فاوض على حريّته فوجدناهم وزراء لابن علي ولكنّ عددهم قليل جدا...

فاوستو جيوديتشي : .. أو سفراء لدي اليونسكو...

جيلبرت نقاش : لا، وزراء لابن علي ولكنّ عددهم قليل جدا، واحد أو إثنان. وهي حالة الأشخاص الذين برّروا ما يمكن تسميته بالخيانة -ولكّنهم يقدّمون ذلك على انّه بحث عن النجاعة- إنّه تبرير بواسطة مفهوم لم يكن واضحا وغير دقيق ولكنّه كان ضمنيا داخلا في ميزان القوى قائلين ومعتقدين بأخذ السلطة والتأثيرعلى القيادة. ولم يكن هذا الموقف بالضرورة موقف خيانة بل هو موقف خاطئ وأبوي نسبيا تماشيا مع حركات نظام بورقيبة والحركات الثورية في تلك الفترة إذن فأنا ليس لدي الكثير من الشبهات إزائهم.

فاوستو جيوديتشي  : هو في النهاية نوع من" الدخولية"؟

جيلبرت نقاش : نعم هو بحث عن النجاعة. كانت هناك أشياء صاحبت هذا التمشي وكانت سيئة وهي عندما يتعلق الامر بالدفاع عن قمع ابن علي للإسلاميين- وكان هناك تداخل بين المبادئ والسياسة اليومية- هذا قابل للنقاش أكثر لكن لا بد لي من القول إنّ هؤلاء الاشخاص جميعا الذين شاركوا في حركة آفاق بقوا أصحاب مبادئ وحاولوا تطبيق مبادئهم فيما قاموا به. وسواء أكانت مبادئهم سيئة أو جيدة فقد كانت تحاول تغيير الوضعية وفي هذا الصدد عليّ الاعتراف بأنّ طريقنا كان مختلفا جدا عن أقصى اليسار الفرنسي أو حتى الأوروبي لأنّه بالخصوص لم يكن لدينا الخيار. فاقصى اليسار الأوروبي أمامه مجتمع مدني قويّ جدا وهياكل قوية جدا استطاعت استيعابه ومنحته آفاقا فردية أو حتى جماعية عن طريق مكاتب الدراسات التي شارك فيها وساهم في إعادة بناء المجتمع بعد ماي 1968. يمكن أنّه إذا كان نظام بورقيبة أو نظام ابن علي جعلنا نشارك في البناء أو إعادة بناء النظام، كمفكرين فإنّه سيكون مآلنا هو نفسه. لكن حظّنا، فكريا بطبيعة الحال، جعلنا نعيش في نظام قمعي كان دائما حذرا من كلّ خطاب مغاير. ونتيجة لذلك لم يسمح لنا بالخيانة فعلا إذن ليس لدينا أي فضل في كوننا لم نخن.

فاوستو جيوديتشي  : في نهاية المطاف، فإنّ نتيجة هذا الإقصاء هو التحضّر الفوضوي لمدينة مثل تونس وهو النتيجة الكارثية للتربية والتعليم الذي وفقا لما قيل لي وما بيّنه لي الناس، أنتج أصحاب شهائد بلغتين أميين. يمكن أنّه لو كان جيل 1968 ساهم في النهوض بالتعليم فإنّ الوضع كان يمكن أن يكون مختلفا.



جيبار نقاش : نعم يمكن ذلك. أو من الممكن كذلك أن يمرّ هؤلاء الأشخاص إلى الرشوة بعد مرورهم بفضاءات التفكير والتصور وكان من الممكن كذلك أن يكونوا مثل الآخرين. لا.. ليس بمقدورنا إعادة التاريخ. بقي أنّ قدماء حركة آفاق وبعد توقف مدة طويلة عن الثورة بقوا عموما،وعلى الأقل تقدميين ومنفتحين جدا ولديهم الرغبة في فهم ما يحصل والمشاركة فيه. أقول هذا وانا غير متّفق مع أغلبهم في التفاصيل ولكن لا يمكنني أن اقول أنّهم تجاوزوا حواجز مّا. لا أحد شارك بصفة فعلية في الـ 23 سنة من حكم ابن علي. ولا أحد ساند فعليا بورقيبة. إذن انا فخور جدا لكوني انتميت إلى منظمة من الممكن أنّها لم تنجح في الحصول على السلطة وتغيير المجتمع ولكنّها نجحت في تغيير أعضائها. أعود إلى السؤال : ليس من باب الصدفة إذا كانت أفكارنا باشكالها المتنوعة، قد تحوّلت أو عبرت الزمان. لقد كنّا جيلا كان قد جمع في وقت ما كل الذين كانوا من اصحاب الفكر في الجامعة تقريبا أي يمكن القول إنّه قد انضمّ إليا في ظرف خمس سنوات آلاف عديدة من الاشخاص. وما هو مميّز أنّ هؤلاء الآلاف الذين لم يكونوا أعضاء شكليين في المنظمة هم اشخاص أورثوا لأبنائهم قيما ورؤى وزخما. وهو ما جعلهم جميعا مثلا، حين صدر كتابي، يقبلون عليه. فبعضهم يجد زخم شبابه والآخر يكتشف ما كان عليه آباؤهم وما فعلوه. وأنا اليوم مازلت متحمسا ومتأثرا باعتبار أنّ كتابي الذي كان في جوهره شهادة على مسيرة ولحظة تاريخية مازال يلقى صدى كبيرا. وهذا يدلّ إذن على أنّه لا يتوجّه إلى الأشخاص المعنيين فقط ، اشخاص الماضي فقط بل هو يخاطب كذلك الشباب ويحدّثهم عن المستقبل.

إنّ هذا يبرهن على أنّ حركة آفاق لم تكن حركة مترسخة في الماضي بل هي تهب كذلك إمكانيات الحلم عبر انفتاحاتها المتعددة، الحلم قبل كل شيء.
فاوستو جيوديتشي : أنا شديد التأثّر لأنّه حصل عندي انطباع بأنّ جيلكم الذي هو جيل أجداد، متناغم مع جيليْ أبنائه وأحفاده اللّذين قاما بهذه الثورة من ديسمبر 2010 إلى جانفي 2011. أفلا ترى أنّ هذه الثورة التونسية التي مازالت مستمرّة حقا ولم تنته بعد، هي إلى كبير كثورة 1968؟
جيلبرت نقاش : يمكنني أن أقول أكثر من ذلك. هذه الثورة التونسية هي الوحيدة في العالم التي تمّ فيها قتل الأب. فهذا المجتمع، المدني الغريب والذي يبدو أميا وغير واع وغير منظم فعل ما عجز عنه الأشخاص في ماي 1968 بفرنسا. هذا الجيل أنجز ما لم يخطر على بال جيلنا فعله فقد قتل أباه. والآن يقبل أن يكون لديه زوج لأمّه أي اشخاص يسهرون عليه وربما يعيلونه ولكن ليس لديهم أيّ سلطة للذين يقولون لهم : «  آه لا ! أنت لست أبي!" وهذا امر على غاية من الأهمية. لقد تحدّثت عن ماي 1968. أقول إنّ ماي 1968 قالوا هذا، في مدة معينة،ثمّ وفي لحظة تلاشى السحر وكان سوفاجو وكوهين بانديت قد قادا الهجوم على البلدية ومرّا بذلك من ثورة غير مسيطر عليها إلى محاولة انقلاب لم يعد لها ….

فاوستو جيوديتشي  : لم يعد لها أيّ تأطير جيّد..

جيلبرت نقاش : إذن، لقد خرج ديغول من التيه الأكثر جنونا بين ماسو ومستشاريه - ولم يتمكن من ايجاد اي شيء- وهنا لم يحصل ايّ شيء من هذا القبيل : لم يقدروا على قمع هذه الثورة التونسية لأنّهم لم يعرفوا كيف يتم التعامل معها. لقد نزل المتظاهرون إلى القصبة كانوا عند باب الوزير الأوّل وكان يكفي دفع الباب. فالأمر كان على غاية البساطة : يدفعون الباب ويهتفون في وجههم "ارحلوا" ويأخذوا مكانهم. لم يفعلوا ذلك وقالوا : «  نحن لا نريد السلطة". ولكنّهم قالوا : نحن نريد مراقبة السلطة". وقيل لهم : «  لكن مَن أنتم؟" وجاؤوا بالشرطة لترحليهم. وجاؤوا وقالوا : « أنتم في تونس هل تعتقدون أنكم تستطيعون اتخاذ القرار بدوننا. لا، لا يمكنكم فعل شيء لم نصادق عليه. وسنبقى هنا إلى أن تقوموا به. » وبقوا هناك إلى أن قررت الحكومة الدعوة إلى مجلس تأسيسي. لقد حاولت الحكومة المؤقتة بالطبع أن تناور وحاولت أن تحرّض جزءا من السكان ضدّ الجزء الآخر لكنّها لم تنجح في ذلك. لقد انتصرت الثورة التونسية عبر مراحل إلى حد الإقرار تتكوين المجلس التأسيسي. لكنّها لم تنته فالثورة المضادة منظمة ومدعومة إلى حدّ ما من السلطات الرسمية المؤقتة لأنّ الثورة المضادة، اي التجمع الدستوري الديمقراطي، في جزء كبير منه مرتبط بالحزب الاشتراكي الدستوري* وأنّ بعض الممولين للسلطة الحالية كانوا مرتبطين بالارتشاء في نظام بورقيبة او نظام ابن علي في بدايته. فهذه السلطة إذن هي حساسة إزاء هذا النوع من الضغوط وتفعل كل شيء لسد الطريق أمام الثورة وتحويلها إلى مجرد انتقال بسيط. أي انتقال من ابن علي الشرير إلى جغام أو مرجان أو اي أحد آخر من الطيبين**. غير أنّ الثورة لن تقف وستجد الوسيلة وستأخذ الدستور لتغيير بنى الدولة وفرض شكل آخر للدولة وعلى كل حال فقد كانت في لحظة وجيزة في الماضي قادرة على توحيد كل طبقات المجتمع ضد نظام الحزب الواحد وستكون بالتأكيد قادرة على إعادته في المستقبل والتقدّم. وسيستغرق ذلك الوقت الذي سيستغرقه ولكن حسب رأيي سيتطلّب الأمر وقتا قصيرا لأنّه أمامنا أموات-أحياء وتبدو رمزية هؤلاء الموتى – الأحياء رهيبة : لدينا مسألة رئيس للجمهورية مؤقت مريض جدا ووزير أوّل شارف على التسعين ويحكم باسم ثورة قام بها شباب أعمارهم أقلّ من 25 سنة. فلا يمكن أن يدوم ذلك وقتا طويلا لن يكون مع تطور المرض والنتائج الحتمية للشيخوخة. لا يمكننا أن نتصور أنّ شيوخا وضعوا قدما في القبر يمكنهم قيادة شباب كلّ المستقبل أمامه.

وللعودة إلى سؤالك والاندهاش من أنّ أشخاصا من جيلي يمكنهم أن يكونوا في انسجام تام مع أبنائهم أو أحفادهم فإنّ ذلك يرتبط بالسؤال الأوّل أي أنّ بناء جيلي الذي تتحدث عنه هم أشخاص أصحاب مبادئ، وعندما تكون لنا مبادئ يمكننا أن نخطئ وأن نتردّد لكن لنا دليل وبوصلة وعلى أيّ حال فقدد كانت مبادؤنا مبادئ رفض للسلطة المطلقة والتعسّفية. وفي هذه النقطة على الاقل انضمت الثورة إلى حركة آفاق : في الحقيقة نحن لا نريد أن نقبل أن يملي علينا أب الأمة ما يجب القيام به والأمر الجيد الذي يسعدنا انضمامنا إلى هؤلاء الشباب الذين يصرخون : ارحل! من يريد ان يقدّم لهم دروسا، لا دروس، ولا تخويف. إنّنا نعتقد، في نهاية المطاف ما أراه واعتقد أنّ رفاقي يشاركونني الرأي، أنّ دورنا أكثر من أن يكون القيادة السياسية التي نحن ملزمون، إلى حد ما، على القيام بها وفي حدود معيّنة إنّه أكثر من ذلك بكثير. إنّها مهامّ الانتقال والتحويل فنحن وسطاء.
لدينا تجربة وكان لدينا نشاط وكنا نفكّر وجئنا بعد أجيال من المناضلين في مناخ لا علاقة له مع ما هو سائد حاليا، إذن فنحن لدينا مسؤولية وهي أن نقول للناس وللشباب : هذا ما وقع وهذه هي الطريقة التي تمت فيها الاحداث هكذا مررنا من قبائل كانت تتمرد على الباي إلى الاستعمار، إلى الحماية، إلى الكفاح ضد المستعمر إلى مصادرة ذلك الكفاح من طرف حزب اصبح حزبا وحيدا الذي إضافة إنجازاته الهامة - لأنّه كان بحاجة إليها حتى يحقق هيمنته- قد اتّجه بتونس شيئا فشيئا نحو الفراغ وانتم الشباب يا من رفضتم هذا الفراغ أنتم في الحقيقة أوج مواصلة كلّ هذه النضالات التي خيضت ضد كل هذه المظالم التي عانى منها الشعب التونسي يمكننا ان نقول منذ عليسة***

فاوستو جيوديتشي : إذن، إذا فهمت جيدا، لدينا حركة ثورية شاركت فيها أعداد كبيرة من الشباب متعدد المراكز وخلاق في نفس الوقت والذي يشتغل في شكل شبكة،إنّه نوع من مجلس الحكماء الذي تستنير به هذه الحركة دون سلطة وأيضا دون رغبة في قيادته. هذه حقيقة خصائص الثورة ما بعد الحداثة. فكيف، هل من الممكن ترجمة كل ذلك إلى مفاهيم ممأسسة؟ هل ترى أنّ تونس ستكون قادرة على أن تنشئ في هذه المنطقة العربية-البربرية-المتوسطية ما يساوي ما بصدد إنجازه البوليفيون أو شعب الاكوادور من دولة متعددة الأعراق حيث أدرجوا في دساتيرهم مفاهيم هندية مثل "العيش الكريم"؟

من حظّ تونس أنّها كانت منذ أمد بعيد جدا بلادا حضرية، فنحن حضريون. وأن تكون حضريا في هذه البلاد هو أن تقبل قبل كل شيء أن يكون لك جيران وهو ما يعني إذن وجود أرضية تفاهم وتعايش. إنّ الحضري شخص يفاوض حول طريقة عيشه وعلاقاته وهو نتيجة لذلك مدفوع إلى التفكير أكثر ممّن هو ليس حضريا ويتصرف باندفاع. هذا الحظ الأوّل أمّا الثاني والذي يمكن أن يكون اقدم من الأوّل فهو أنّ الشعب مثقّف منذ زمان بعيد -ليس هذا وليد اليوم- وأنجب قادة كانوا من أهل التطور والثقافة أو على الأقل من أهل التعليم. ونتيجة ذلك أنّه حين كان الجزائريون، في ظروف مشابهة نسبيا، يقذفون الجحارة والزجاجات الحارقة على قوات الأمن وقد كانوا بالتأكيد أقوى منهم مما يدفعهم إلى التراجع في حين كان التونسيون عمليا يلوحون بأيدي فارغة فصمدوا لأنّه إضافة إلى الثورة كان لديهم وعي بالخاصية غير المقبولة للأوضاع...

فاوستو جيوديتشي  : إنّها قوة ذهنية إذن...

جيلبرت نقاش : بالضبط. إنّها قوّة الذهن، ذلك الذهن الذي كان له غذاء. لقد تحدثت منذ قليل عن تعليم متهافت، هناك شباب له شهائد وهو غالبا أميّ قليلا. هذا أمر ممكن لكن يجب مقارنة الوضعية الحالية بتلك التي ورثناها من الاستقلال. فعند الاستقلال كان لدينا نخبة مثقّفة جدا -المعهد الصادقي، الجامعات الفرنسية الخ- وعدد كبير من الناس كانوا أمّيين تماما ومقصيين كليا عن الحداثة. أمّا اليوم فلدينا شباب أميّ إجمالا ويمكن أنّ ذلك ليس كثيرا، لكنّ النخبة هي عدديا أكثر بمائة مرّة ما كانت عليه عند الاستقلال. وهو ما افضى إلى تصدير الأدمغة بشروط غير متساويةبما أنّنا نكوّن أدمغة طيلة عشرات السنين ونبيعها للسوق في أوروبا. من المفروض أن يدفع لنا ثمن التكوين كذلك. فمهندس شاب في الإعلامية انتقل للعمل في فرنسا يتكلّف تقريبا خمسين مرة أجره السنوي قبل خروجه.إذن يجب أن تكون لنا بعض العائدات. إن مشكلة المجتمع التونسي تحديدا أنّه غير قادر على أن يمنح لكلّ الأشخاص الذين تمّ تكوينهم أملا مّا في النجاح في بلادهم. وهذا أيضا لا يمكن التسامح معه فالنظام الذي لا يقدّم أملا للشباب لا يمكنه أن يستمرّ.

 إذن لقد كانت الثورة اساسوا قبل كل شيء هزّة ايديولوجية. كانت ارتجافة وعي ضد من منع تواجد الوعي. وبعد ذلك وبالتوازي كانت مجموعة من المطالب : الشغل والكرامة والمساواة ولكنّها قبل كل شيء كانت رفضا – ضمنيا وغير واع وغير معبر عنه بالطبع- لهذه الوضعية التي تلقى فيها أغلب الشباب تكوينا والمجتمع لفظهم ولم يقدم لهم شيئا. وهو وضع غير مقبول. يمكن أن نقصي أشخاصا لا تكوين لهم -قال بومبيدو : من الصعب جدا حكم شعب مثقف- ولكن لا يمكن إقصاء أشخاص مثقفين حتى وإن كانت ثقافتهم ضئيلة وابن علي دليل على حجّة على ذلك.

________

*ماذا فعلت بشبابك؟ مسيرة معارض لنظام بورقيبة (1954- 1979) مشفوع بخواطر السجن. نشر الكلمات العابرة تونس وسارف باريس 2009. وتعيد الكلمات العابرة نشر كتاب كريستال لجلبار نقاش (الطبعة الأولى 1982). ويمكن أن نقرأ لجلبار نقاش كذلك السماء أعلى من السقف، قصص وقصائد من السجن وخارجه. نشر سارف 2005. وسيصدر له في خريف 2011 كتاب نحو الديمقراطية. نشر الكلمات العابرة.

**الحزب الاشتراكي الدستوري : هو اسم الحزب الوحيد في السلطة في تونس من 1964 إلى 1988 وهو التاريخ الذي غيّر فيه تسميته من طرف ابن علي ليصبح التجمع الدستوري الديمقراطي.

*** محمد جغام وكمال مرجان : رجلا سياسة من التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب ابن علي. وقد تولى جغام مهام وزارة الداخلية والدفاع واعتقد في وقت ما أنّه سيكون خليفة ابن علي. وقد أسس بمعية أحمد فريعة، بعد سقوط ابن علي حزب الوطن. أمّا كمال مرجان فهو ذو تكوين قانوني وموظف دولي وكان آخر وزير للشؤون الخارجية لابن علي. وأبقاه محمد الغنوشي في منصبه هذا إلى حدود استقالته يوم 27 جانفي 2011 وقد أسس بدوره حزبا هو حزب المبادرة.

 

 

  صور فاوستو جيوديشيتلاكسكالا

 





Courtesy of تلاكسكالا
Source: http://www.tlaxcala-int.org/article.asp?reference=5352
Publication date of original article: 20/07/2011
URL of this page : http://www.tlaxcala-int.org/article.asp?reference=5382

 

Tags: تونسثورة تونسمجموعة آفاق التونسيةثورة تونسبورقيبةبن عليالحزب الواحدعلي بن غذاهم
 

 
Print this page
Print this page
Send this page
Send this page


 All Tlaxcala pages are protected under Copyleft.